ذة. سعيدة ملكاوي،
نكتب عن المشاركة السياسية لأم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها بدافع الرغبة في إحياء المثال الرفيع الذي يراد له أن يتكرر، لاسيما ونحن في حضيض واقع بائس يصبح معه نشدان هذا المثال أمرا واجبا ومطمحا يسمو عن التقليد الجارف.
إنما غايتنا من ذلك، الجواب عن السؤال المحير: أين همم النساء بعد نحو قرن من الهجرة؟ وما السر في سمو تلك الهمم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كانت قبل البعثة توأد حية ولا تُعد شيئا، حتى غدت تجهر بصوتها " إنني من الناس" ويؤخذ برأيها في مركز القرار كما هو الشأن بالنسبة لسيدتنا أم سلمة رضي الله عنها، حين أسدت رأيا فأنقذت به أمة برمتها من الهلاك !؟ فهل نحث الخطى لنسير على نهج الكاملات في التحرر والانعتاق من ربقة المظلومية والرق والفقر، ثم نحمل مشعل الاقتحام من أجل تغيير جذري ومشاركة ميدانية فعالة كما هو حال سيدتنا أم سلمة رضي الله عنها ؟ أم نظل قطيعا في السفح يُفعل به ولا يَفعل، ويُرمى إليه بما فَضٌل من الاهتمام بشأن الأمّة…
هجرة ومواجهة حصار
صرح القرآن الكريم بهجرة سيدنا إبراهيم عليه السلام إشارة بليغة في قوله تعالى من سورة العنكبوت : "وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم" الآية25، ليبين لنا أن المقصود من الهجرة ليس المكان بذاته وإنما الهجرة تكون إلى الله تعالى، وهي تحرر من كل عبودية إلا لله عز وجل وهي بتعبير أصح قومة لله في وجه الكفر والظلم والطغيان.
ومن جنس هذه الهجرة كانت هجرة سيدتنا أم سلمة رضي الله عنها التي قامت بكل شموخ وصبر، لاسترداد حقها من عشيرتها التي حاصرتها واضطهدتها وشتتت شمل أسرتها وفرقت بينها وبين زوجها وابنها سلَمة، ولْنسمعها رضي الله عنها تصف هذا الاضطهاد كما عاشته: "لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحّل بعيراً له، وحملني وحمل معي ابني سلمة، ثم خرج يقود بعيره، فلما رآه رجال بني المغيرة قاموا إليه فقالوا: "هذه نفسُك غلبتَنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه، علامَ نتركك تسير بها في البلاد؟"، ونزعوا خطام البعير من يده، وأخذوني، فغضب عند ذلك بنو عبد الأسد، وهموا إلى سلمة وقالوا: "والله لا نترك ابننا عندها، إذ نزعتموها من صاحبنا"
فتجاذبوا ابني سلمة حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، ورهط أبي سلمة، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة حتى لحق بالمدينة، فَفُرِّقَ بيني وبين زوجي وابني…" لكنها صمدت أمام هذا الجفاء العشائري الخالي من الرحمة إلى أن استسلم أهلها أمام صلابة رأيها وقوة إيمانها لتنطلق في هجرتها بإرادة حرة وشخصية قوية، ولنسمعها رضي الله عنها أيضا تقول : "فرحلت بعيري ووضعت ابني في حجري ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة وما معي من خلق الله".
هكذا شاركت أم سلمة رضي الله عنها في هذا الحدث، الذي سجله لها التاريخ ولم يجحفها حقها، الحدث غيَّر الموازين ونقل المجتمع المسلم من الضعف إلى القوة ومن القلة إلى الكثرة ومن الحصار إلى الانتشار.
ومن خلال هذه المشاركة يتبين لنا كيف تعلمت رضي الله عنها في ميدان التطوع، ميدان الشدائد كيف تخرج من الموقف التابع إلى الموقف المسؤول وكيف تهتم وتستجيب للشؤون السياسية العامة للأمة الإسلامية.
إنني من الناس…
روى مسلم في صحيحه عن سيدتنا أم سلمة رضي الله عنها قالت : "كنت أسمع الناس يذكرون الحوض ، ولم أسمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما كان يوما من ذلك والجارية تمشطني، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أيها الناس! فقلت للجارية : استأخري عني! قالت إنما دعا الرجال ولم يدعو النسا ء ! فقلت إنني من الناس ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني فَرْطُكم على الحوض…".
بإرادة حرة وشخصية قوية ووعي بالذات أجابت سيدتنا أم سلمة رضي الله عنها ماشطتها: (إنني من الناس) فأي اهتمام بالشؤون العامة أكبر من هذا القول، وأي وعي ب
المزيد






















